القاضي عبد الجبار الهمذاني
51
متشابه القرآن
ثم يقال للقوم : إن إضافته تعالى الكفر إليهم يدل على أنه فعلهم ، وإلا لم يصح وصفهم به ، وكان لا يصح أن يذمهم إن كان قد خلقه فيهم ، وكان لا يصح أن يصفهم بأنهم لا يؤمنون ، أنذروا أم « 1 » لم ينذروا ، لأن الإنذار على قولهم فيهم وفي غيرهم : لا « 2 » فائدة فيه ؛ لأنه تعالى إن خلق الإيمان حصلوا مؤمنين على كل حال ، وإن لم يرد ذلك ولم يخلقه ، ولا خلق القدرة الموجبة له ، لم يحصلوا مؤمنين ، فأي فائدة « للانذار ، ولما ذا « 3 » خصهم بأنهم لا يؤمنون على كل حال . وكيف يصح أن يوصفوا بأنهم لا يؤمنون ، فينفى الفعل عنهم ولا يصح الفعل منهم ؟ وكل ذلك يبين أنها بأن تدل على ما نقوله أولى . 17 - مسألة : وقد قال تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ 7 ] وذلك يدل على أنه منعهم بالختم والغشاوة من الإيمان ! وذلك يدل على أنه الخالق للايمان والكفر ، وللأسباب الموجبة لهما « 4 » . والجواب في ذلك ، أن الختم في اللغة لا يعقل منه القدرة على الكفر ، ولا الكفر ، وإنما يستعمل في العلامة الحاصلة بنقش الخاتم وما شاكلها ، وإن كان قد يراد به انتهاء الشيء ، وقد يراد به الحكم عليه بأنه لا ينتفع بما سمعه ، كما يقال فيمن نوظر كثيرا وبيّن له طويلا : ختمت عليك أنك لا تفهم . . . إلى ما يشا كله ،
--> ( 1 ) ف : أو . ( 2 ) في د : ولا . ( 3 ) في د : في الإنذار ولما ، ( 4 ) أورد الإمام الأشعري الآية المذكورة في كتابه : الإبانة ، تحت عنوان : « مسألة في الختم » وبعد أن خاطب المعتزلة بقوله : « فخبرونا عن الذين ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم ، أتزعمون أنه هداهم وشرح للاسلام صدورهم وأضلهم ؟ » وزعم أنه إن قالوا : نعم « تناقض قولهم » ، أورد عليهم بعض الشواهد القرآنية التي توضح أنه لا يجتمع الهدى مع الضلال ، وشرح الصدر مع الضيق ، حاملا إياهم على مذهبه في « الهدى » و « الختم » وإنكار الطف : ليخلص إلى القول بأن « هذا يبين أن اللّه خلق كفرهم ومعاصيهم » . الإبانة : ص 54 - 55 .